قد تسري الحياة بشكلٍ غريب وغير قادر على الفهم، أحيانًا. هذا ما توصلت إليه بعد تفكير طويل عند إعلان نتائج الثانويّة العامة في فلسطين، الشهر الماضي. كان براء قد قال حينها "الطالب الذي يحتفل الآن سيعرف بعد مضي سنوات أنها كانت آخر فرحة في حياته". لا شكّ أنه كان صادقًا في ذلك.
يتشابه هذا تمامًا مع ما قيل في الفيلم العربي آسف على الإزعاج أن "الحياة عبارة عن قطارات". وهي كذلك فعلًا، تبدأ منذ الطفولة بالقطار الأوّل وهو قطار المدرسة، يمتد السير فيه لأكثر من اثني عشر عامًا، ونحنُ نظن أنه القطار الأسوأ، نتذمر ونتمنى أن ينتهي السير في هذا القطار والوصول للمحطة الأخرى. بعد حين نعلم أن هذا القطار كان الأجمل، وهو القطار الوحيد الذي ننتهي منه سعداء، وننجو في هذه المحطة.
هذا الأمر لا يعرفه طالب "التوجيهي" الذي انتهى منه مؤخرًا، تمامًا كما أني لم أعرفه عندما انتهيت من آخر سنوات المدرسة قبل ثلاثة أعوام. كان اعتقادي التام أن فترة الجامعة ستكون الأجمل، لكن ما لبثت حتى عرفت أن هذا الاعتقاد خاطئ. الإنسان يعاني ما بين قطار الجامعة وقطار الزواج وقطار العمل. فقطار الجامعة مثلًا تدخله ظنًا منك أنه سيكون أجمل من سابقه، وما أن تسير به حتى تدرك أن قطار المدرسة كان أفضل وأجمل، كلّ هذه القطارات تحاول فيها التمسك بالسكة الحديد، دون أي جدوى.
أما قطار العمل فهو الذي لا يستطيع الإنسان اللحاق به أساسًا، يجاهد كلّ الجهد حتى يصل إليه، لكن ينتهي به المطاف عاطلًا في المحطة. وإن وصل إليه، سيجد أن قطارات أخرى قد فاتته، فقطار الزواج مثلًا، يعدّ من أسوأ القطارات، ومحطته هي ذات الخدمات المتدنيّة.
لم يحدث أن سألت متزوجًا عن حياته إلا وقد تذمّر منها. يظن الشباب غالبًا أن هذا القطار جميل، ومحطته مُمتعة ومليئة بالراحة، لكن هذا الاعتقاد غير صحيح. أذكر يومًا أني قلت لأختي "خسارة أن يتزوّج الشخص في سنٍ صغيرة، دون أن يعيش الحياة بمتعتها، فتضيع الحياة بين الزوج والأولاد والمسؤوليات". وافقتني على كلّ ذلك.
وكما يقول الفيلم، فإن القطار الأخير الذي تصله فيفوتك، بعد اجتياز كافة القطارات السابقة بصعوبة، هو قطار العمر. فعلى حدّ وصفه، ما إن تتجاوز قطار العمل والزواج، حتى تجد قطار العُمر قد انقلب بك، فتموت.
الحياة تسري بشكلٍ غريب يستعصي على الفهم. كلّ محطة من محطات حياتك تعيشها ظنًا منك أنها سيئة، تتمنى أن تنتهي منها لتجد الراحة في المحطة المُقبلة، لكن على عكس ذلك، تكتشف في نهاية الرحلة أن كلّ محطة لها جمالها، وأنها مضت دون أن تحظى بذلك الجمال، الحياة محطات، كنّا قد حجزنا تذاكرها مسبقًا، وعلينا عيشها قبل أن تنتهي وقد قضيناها في انتظار لحظة أخرى أفضل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق