الاثنين، 24 أغسطس 2015

الهروب إلى الحياة في غزة


نشر أولًا في ملحق شباب السفير بتاريخ 11/8/2015 
كنتُ كمن يفتح باباً قديماً مغلقاً ليقف بعينيه المذهولتين متفاجئاً بما وجده في الداخل، عندما جلستُ بعد مضي عامٍ كاملٍ على العدوان الإسرائيلي على غزّة. اصطدمت بمقطع صغير يذكّرني بأصعب الأحداث التي مرّت علينا خلال الحرب، كان هذا المقطع هو المفتاح لباب الذكريات الذي لم أستطِع إغلاقه.
***
لم تكن غزّة في تلك الأيام سوى مدينة تُحبّ الحياة ومتناقضة. برغم الموت الذي عصف بأهلها لأسابيع طويلة، كنت تجدهم في أقرب فرصة تُوضع أمامهم، يندفعون إلى الحياة. يخرج الناس فور بدء ساعات وقف إطلاق النار القليلة إلى الشوارع، كما لو أنهم يبعثون ببرقية إلى الجندي الإسرائيلي الذي يقوم بقصفهم، تخبره أن قلوبهم غير قادرة على الموت مهما ألقى من الصواريخ، ومهما ترامت الجثث أمام أعينهم.
الأماكن العامة ممتلئة بالناس، كما هو الإقبال على الحياة.
***
لم أتذكر في الحرب الأخيرة يوماً واحداً مميّزاً أو مختلفاً عن غيره، سوى الأيام التي تميّزت بموتٍ أكثر أو زادت فيها الدماء عن المعتاد. في أحد أيام الأسبوع سألت: «في أيّ يومٍ نحن؟». لم أكن أعلم في أيّ يوم من الأسبوع نحن. تشابهت علينا تلك الأيام بتفاصيلها، الموت، لون الدم، الغبار الكثيف الذي تتركه الصواريخ، صوت الصاروخ وهو متّجه نحو هدفٍ ما، صراخ الأمهات، الهروب الكبير واستخدام الأقدام كوسيلة أخيرة للتشبث بالحياة. ربما لم يكن السبت يختلف كثيراً عن الأربعاء، إلا إذا ازداد عدد الشهداء أو إذا ازدادت جرعة القذائف اليوميّة.
***
في عصر أحد الأيام، تتصل أختي بشكلٍ مفاجئ، كانت تصرخ وهي تقول إنّ صاروخاً سقط في شارعهم. كانت قد تركت ابنتيها في المنزل، وذهبت مع زوجها لشراء القليل من الخبز. صارت تصرخ وهي تطلب من أمي أن تجد أحداً ليساعدها. تجلس أمي غير قادرة على الوصول إلى ابنتها التي تريد الوصول إلى ابنتيها. كان الجميع في غزّة على هذه الحال، عاجزاً عن مساعدة أيّ أحد يحبّونه.
***
انطلقت لأحلق شعري فور توقف القصف، بعد بدء الهدنة «الإنسانية» التي أعلنها الاحتلال. لم يكن هذا الشكل من الهدن سوى نافذةٍ نطلّ منها في وقتٍ بسيط على حالنا. في خضمّ الموت، كانوا يسمحون لنا بساعات قصيرة لنطلّ من خلالها على الحياة، يسمحون لنا بأن نتنفس قليلاً، لنرى جرحنا الذي غبنا عنه في خضمّ الموت والقصف المستمر.
كان عدد الزبائن عند الحلّاق في تلك المرّة كبيراً. هل اقترب العيد؟ لا. كنت أعلم أنّ الناس صاموا عن الحياة لأكثر من شهر، واليوم سُمح لهم بأن يُفطروا ولو لساعاتٍ قليلة. إذاً هو العيد.
***
في محاولة سريعة لاستعادة الحياة، بعد أكثر من شهر من القصف حرمنا فيه منها، انطلقت أنا وصديقاي إلى البحر، صباح أحد الأيام التي أعلن فيها الاحتلال عن وقف مؤقت لإطلاق النار. يتركنا نتنفس قليلاً، ثم يعاود قصفنا. حاولنا أن نقول للبحر إنّ لدينا الكثير من الأيام التي سنعيشها، لكنّ مشهد السفن الحربية، المقابلة لنا والمصطفة في آخر نقطة من هذا البحر كان يكذبّ ما نقول. ما إن يحمل الموج الكلمات حتى تعود إلينا، لأن الجندي المقابل لنا يهيّئ نفسه لأن يطلق قذيفةً أخرى صوب المدينة فور انتهاء المهلة القصيرة للحياة.
***
عند ساعات الفجر الأولى، يعلن الجيش الإسرائيلي بدء عملية عسكرية على قطاع غزّة. أُخبر أمي أن الحرب قد بدأت، فتكذّبني. في الصباح أعود مرّة أخرى، تسألني: «قلت في حرب.. وين الحرب؟»، لم يكن القصف قد اشتد في تلك الساعات، كما سيكون في الساعات والأيام اللاحقة. بعد 52 يوماً من الحرب، أقف مذهولاً أمام كلّ هذا الموت والدمار وأقول: «ليتها كانت على حقّ، ليتني كنتُ كاذباً!».

الخميس، 6 أغسطس 2015

العنصر اللامرئي في علاقاتنا


أتعلم يا عزيزي، هناك أمرٌ هامّ في كلّ علاقة، هذا الأمر غير مرئي غالبًا، لا يعرفهُ أصحاب العلاقات، لكن أحيانًا ودون علمهم يشعرون به. هذا الأمر الهامّ هو "الدهشة"، الأمر الذي يجعل العلاقة صالحة، قادرة على الاستمرار، ويجعل لدى طرفيها القدرة على العطاء. الدهشة أساس لكلّ العلاقات. قدرة كلّ طرف على إدهاش الطرف الآخر، قدرته على إدخال الشغف لقلبه، هي القدرة على الحُبّ ذاتها، القدرة على أن يمسّ الأشياء الخفيفة التي لا توصل في روح الإنسان. هذا هو أساس العلاقات.
طالما أن هذا الشغف موجود في قلب كلّ طرف، وطالما أن هذا العنصر اللامرئي ما زال موجودًا يحلّق بين طرفيه، وتارةً يغوص في أعماق الروح، يعني أن العلاقة قادرة على الاستمرار. وطالما أن الطرف الآخر قادر على الوصول إليه، ذلك بالضرورة يعني أن العلاقة جميلة، الحب موجود، الإعجاب.
أشياء بسيطة غالبًا قادرة على الوصول لعمق الروح، للوصول إلى الشغف الجميل الذي يبرق بينَ عينيّ الآخر، ربما رسالة بسيطة مساء أحد الأيام، لم تكن متوقعة أبدًا، أو ربما محادثة صغيرة، سريعة، قادرة أن تحدث ثورةً في الروح أفضل من آلاف الرسائل التي تفتقد للدهشة. 
ربما أيضًا أغنية صغيرة، أو صورة. ربما كلمة.. لكلّ علاقة قدرتها العجيبة على صنع الدهشة، بطريقتها. ويبدو أحيانًا أنه من العجيب في ظلّ هذا الموت الذي يحيط بعالمنا، أن هناك من لا يزال قادرًا على خلق الدهشة في قلوبنا. يا عزيزي، هؤلاء هم الناس الذين يمكن أن تكتمل بهم الحياة، ويمكن أن يكونوا ضوءًا ليستمر العالم، في ظلّ موته المستمر يومًا بعد يوم.
إنني يمكن أن أقول لك أن الدهشة باختصار هي قرينة الحُب، وهي الدافع الأكبر للعطاء، وللاستمرار في علاقاتها مع الآخرين. أن تجد صديقك، أو حبيبك، أو أي طرف آخر قادر على أن يتجدد كلّ يوم، وأن يعطيك أكثر، ذلك يعني القدرة على الحب والصداقة، قدرة المرح والإعجاب، والفدرة على كلّ الأشياء الجميلة. أما حين تنهي هذه الأشياء، وينتهي البريق الصغير المسمى الشغف في أرواحنا، وينطفئ ضوءه، ذلك يعني أن العلاقات بلا روح، تبدو في حينها العلاقة كمصباح انتهى وقوده، فينطفئ تدريجيًا بشكلٍ محزن في العتمة. صدقني كذلك هي الروح، تفقد معناها شيئًا فشيئًا إذا فقدنا القدرة على التجديد والعطاء، قدرة الدهشة والوصول لأعماق الآخر.

يارب لا تفقدنا الدهشة… ولا تفقدنا شغفنا بالحياة، والناس الحلوة.. برغم كلّ هالموت المحيط فينا.