ماذا لو كانت حكايتك أقصر من أغنية لفيروز؟
أتعلمين، استمعت هذا الصباح لألبوم كامل لفيروز، كلّه انتهى، كلّ أغنية تحتوي حكاية مختلفة، كلّها انتهت عند الحرف الأخير في الأغنية ولم يتبقى منها شيء. حكايتك مختلفة، غنّت أم كلثوم طوال الليل، أنشدت أغانٍ من تلك التي يتذمر منها البعض بحجة طول موسيقاها، أو كثرة تكرار الكلام فيها، كانت طويلة جدًا، انتهت، ويبدو أن حكايتك كانت ومازالت أطول، حكايتك لا تنتهي.
قرأت ميلان كونديرا ثم كافكا، انتقلت مفاجةً إلى موراكامي، كان مبدعًا جدًا في "الغابة النرويجية" بدا كتابه ممتعًا أكثر من الحُب ولياليه المُملّة. أنهيت الرواية وغيرها.
لكن حكاياتك كانت الوحيدة الباقية، تسري في القلب إلى الأبد، تتحرك، لا تنتهي فور أن ينام القلب كالحكايا التي نرويها للأطفال قبل نومهم.
ما زلتِ أنتِ تجولين في البال، لا يصدك حارسٌ ولا يمنعكِ راوٍ من التسلل إلى قصته. في كلّ ليلة أستلقي وأقرر أن أنام، تداهمني ذكرياتك مرّةً أخرى. أحاول أن أتجنبها، فأنا تخلصت من عادات الطفولة، لستُ بحاجة لمن يروي لي قصصًا ما قبل النوم. لذلك دعيني، لستُ بحاجة أن أفكر أكثر، ماذا حصل في قصتك بعد آخر مرّة اطّلعتُ عليها، ولستُ بحاجة أن أسأل مرّةً ثانية هل كان في السيارة التي نقلتكِ إلى البيت شبّان؟ أم هل شابًا ما يلبسُ مثلَ قميصي مرّ أمامك عند دخولك الجامعة فظننتهِ أنا. لستُ بحاجة لسؤالك عن بطل الفيلم الذي شاهدتِه الليلة الماضية إن كان قد أعجبكِ، أو غيرها من الأمور التافهة التي تمتلئ فيها حكايا الحُب. لستُ بحاجة لأيٍ من ذلك، إذًا لماذا لا تنتهي حكايتك مع الحرف الأخير في قصيدة درويش؟
كان عليها أن تنتهي، لكنها من ذاك النوع من الحكايا التي تبقى عالقة في الرأس، متأصلة في القلب. النوع الذي لا ينتهي أبدًا مهما طال الزمان، لذلك تبقى حكايا الحُبّ، تبقى لتُروى، وليتم تذكّرها.
سأرويها يومًا لأولادي ونحن ننتظر أمهم أثناء تجهيزها للعشاء، ستكونين أنتِ البطلة، بطلة كلّ الحكايا.. وستبقين في الذاكرة، تمرّين دومًا. وتبقين جزءًا من تلك الحكايا التي لا تنتهي.
يركض في عينيه كوكب مذبوح
وسماء منكسرة
في عينيه –أيضًا-تركض صبيّة جميلة بقدمين حافيتين.
* رياض الصالح الحسين.
